مجمع البحوث الاسلامية
876
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ومن ذلك ما صحّ من قوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم : « لا حسد إلّا في اثنتين : رجل آتاه اللّه تعالى مالا وسلّطه على هلكته في الحقّ ، ورجل آتاه اللّه تعالى الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها النّاس » . وعنى بقوله تعالى : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ النّزاع الحاصل بين البدن وقواه وبين النّفس ، فالحاسد هو البدن من حيث له القوّتان ، والمحسود هو النّفس فالبدن وبال عليها ، فما أحسن حالها عند الإعراض عنه ! وما أعظم لذّتها بالمفارقة إن لم تكن تلوّثت منه ! وقيل : الغاسق : إشارة إلى المعدن ، والنّفّاثات : إلى النّباتات ، والحاسد : إلى الحيوان . ولمّا كان الإنسان لا يتضرّر عن الأجسام الفلكيّة ، وإنّما يتضرّر عن الأجسام العنصريّة ، وهي إمّا معدن أو نبات أو حيوان ، أمر بالاستعاذة من شرّ كلّ منها . وكلا القولين كما ترى ، واللّه تعالى أعلم [ واستشهد بالشّعر مرّتين ] . ( 30 : 284 ) مغنيّة : الحاسد هو الّذي يتمنّي زوال النّعمة عن أهلها ، وأن تكون له من دونهم . وفي الحديث : « المنافق يحسد ، والمؤمن يغبط » أي يتمنّي أن يكون له من النّعمة مثل ما لأخيه ، ولا يتمنّي زوالها عنه . والحسد من أمّهات الكثير من الرّذائل ، كالحقد واللّؤم والكذب والغيبة والنّميمة والمكر والخداع ، والسّعي بكلّ سبيل لإزالة النّعمة عن المحسود . ومن هنا أمر اللّه سبحانه نبيّه الكريم أن يتعوّذ من شرّ الحاسد ، وبهذا يتّضح أنّ المراد من شرّه : سوء مقاصده وأقواله وأفعاله ، لا نظرات عينيه وإضرارها بالمحسود ، كما قال أكثر المفسّرين . ومن الطّريف ما ذكره بعضهم في تفسيره : أنّ رجلا كان مشهورا بإصابة العين ، حتّى كان النّاس يستأجرونه لهذه الغاية ، وفي ذات يوم استأجرته امرأة ليحسد عدوّا لها ويقتله بعينيه ، وصحبته إلى الرّجل ، وقالت له : هذا هو فأحسده ، فقال لها الحاسد : ما أجمل عينيك ! فما أتمّ كلامه حتّى عميت . ( 7 : 626 ) الطّباطبائيّ : أي إذا تلبّس بالحسد ، وعمل بما في نفسه من الحسد بترتيب الأثر عليه . وقيل : الآية تشمل العائن ، فعين العائن نوع حسد نفسانيّ يتحقّق منه إذا عاين ما يستكثره ويتعجّب منه . ( 20 : 393 ) مكارم الشّيرازيّ : الحسد : خصلة سيّئة شيطانيّة تظهر في الإنسان نتيجة عوامل مختلفة ، مثل : ضعف الإيمان ، وضيق النّظر ، والبخل ، وهو بمعنى طلب وتمنّي زوال النّعمة من شخص آخر . الحسد : منبع كثير من الذّنوب الكبيرة . [ ثمّ حكى حديثي الإمامين الباقر والصّادق عليهما السّلام المتقدّمين وقال : ] ذلك لأنّ الحسود يعترض في الواقع على حكمة اللّه وعلى ما آت اللّه من نعمة لهذا الفرد أو ذاك . كما يقول سبحانه : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ النّساء : 54 . وقد يبلغ الحسد بالحاسد إلى أن يوقع نفسه في كلّ تهلكة من أجل زوال النّعمة من الشّخص المحسود ، كما هو معروف في حوادث التّاريخ . وفي ذمّ الحسد يكفي أنّ أوّل قتل حدث في العالم كان من قابيل على أثر حسده لأخيه هابيل .